علي بن أحمد المهائمي

238

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

الصورة المنطبعة في المرآة الموجودة معدومة ؛ فكيف في المرآة المعدومة ؟ وإنما ترى فيها كما ترى الصورة في صورة المرآة المنطبعة في مرآة تقابلها ( فما ثمّ ) : أي في الكائنات ( موصول ) مع الوجود الحق ، ( ولا ثمّ بائن ) ؛ لأن ذلك فرع تحقق المتواصلين والمتباينين ( بذا ) أي : بعدم بقاء ما سوى الحق ، ( جاء برهان العيان ) أي : الكشف ( فما أرى ) في كل شيء ( بعيني إلا عينه إذ أعاين ) بنظر الكشف . وهذا ما قاله الإمام الغزالي في الباب الثالث من كتاب التلاوة من « الإحياء » « 1 » : « بل التوحيد الخالص ألا يرى العبد في كل شيء إلا اللّه » ؛ وذلك لأن المرئي إما الوجود أو صورته في مرايا الأعيان وصور المرايا معدومة ، سيما إذا كانت المرايا معدومة ، ( ذلِكَ ) : أي القول ينفي ما سوى الحق لا باتحادهما ، وإن رآهما غير متميزين في نظر الكشف ( لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [ البينة : 8 ] أن يكون هو ) الرب ، فينفي نفسه ويبقى الرب . وفيه إيهام لطيف بأنه تفسير لقوله تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [ التوبة : 100 ] ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ بل لا يبعد أن يقصد ذلك بطريق الإشارة ( لعلمه بالتمييز ) بينهما في الواقع ، وإن لم يحصل في نظر الكشف كما لا يتميز الخمر عن الزجاج في نظر الحس مع علمنا بتميزهما في الواقع ، ( دلنا على ذلك ) التمييز بين الرب والعبد مع عدمه في نظر الكشف ( جهل أعيان في الوجود ) أي : الواقع ( بما أنابه ) أي بأمر علمه مختار ( عالم ) بذلك الأمر ، وهذا العالم من الأعيان . ولا شكّ أن الموجود واحد بالحقيقة ، فلو اتحدت به الأعيان لكان فعل الواحد فعل الآخر ، ولكان علم الواحد علم الآخر ، وليس كذلك ، مع أن الكل فعل الوجود الواحد وداخل تحت علمه ، ( فقد وقع التمييز بين العبيد ) إذ لم يظهر في البعض عن الوجود من الأفعال والعلوم ما ظهر في الآخر ، وذلك باختلاف التجلي ؛ ( فقد وقع التمييز بين الأرباب ) التي هي صور الوجود الواحد بحسب انتسابه إلى الأعيان المختلفة بذواتها ، فاختلفت تجلياته وصوره فيها اختلاف نور الشمس وراء الزجاجات المختلفة الألوان ، فاختلفت الأسماء الإلهية التي هي أرباب هذه الصور ، ( ولو لم يقع التمييز ) بين الأرباب التي هي الصور الوجودية لم يقع بين أربابها التي هي الأسماء الإلهية ، لكنه باطل إذ لو لم يقع التمييز بينهما ( لفسر الاسم الواحد الإلهي من جميع وجوهه ) ، وهي وجه الذات ووجه المباينة مع سائر الأسماء ، ووجه المشاركة باعتبار آخر وراء اعتبار أحدية الذات كاشتراك المنعم والمعز والهادي والنافع ( بما يفسر به الآخر ) ليس كذلك ، إذ ( المعز ) من أسماء اللّه

--> ( 1 ) في ( 1 / 296 ) .